القاضي النعمان المغربي
388
المجالس والمسايرات
قسطه بحسب ما فيه من القوّة وما يتّصل به من المادّة ، كما أنّ ضوء النهار قد يتّصل بالأبصار وإنّما يقبل منه كلّ بصر بقدر صحّته وقوّته ، والذي لا صحّة ولا قوّة فيه منها لا يتّصل به شيء من ذلك الضّوء ، كما أنّ آنية لو وضعت تحت سماء ممطرة لم يستقرّ الماء إلّا فيما كان منها أجوف / ، وما كان مسطّحا ومكبوبا على رأسه أو ملقى على جانبه لم يدخل فيه شيء من ذلك الماء ، وما استوى على اعتداله منها وكان ذا جوف أخذ من الماء بقدر سعته واحتماله وصغره وكبره . وكذلك هذا الأمر . قد قيل إنّ بعض الأئمّة أطلق لبعض المؤمنين قولا من الباطن وبحضرته بعض غلمانه ، فظنّ بعض من حضره أنّه لم يره فنبّه عليه وأشار له إليه ، فقال : قد رأيته ، وليتكم أنتم تفهمون ما أقول ! وقد أخبر اللّه ( تعالى ) بمثل ذلك عن قوم سمعوا من رسول اللّه ( صلع ) ما لم يفهموه ولا وعوه فقال : « وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ حَتَّى إِذا خَرَجُوا مِنْ عِنْدِكَ قالُوا لِلَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ ما ذا قالَ / آنِفاً ؟ « 1 » » فأخبر اللّه ( عج ) أنّهم شهدوا وسمعوا ما سمع أولو العلم فلم يعرفوه ولم يعرفوا ما قاله رسول اللّه ( صلع ) ، فأخبر عن رسول اللّه ( صلع ) أنّه قد جمع مثل هؤلاء فيما أسمعهم مع ذوي العلم . وقد شاهدنا مثل هذا ورأينا كثيرا من قوم يسمعون ولا يعلمون ما سمعوه ولا تعلّق شيء منه بقلوبهم ، وقوم سمعوا ذلك معهم ووعوه وعلموه وانتفعوا به ، وأولياء اللّه أعلم بما يفعلون وبمن يخصّون ومن يجمعون وعلى أيّ شيء يجمعون ويفرّقون ، كلّ شيء عندهم من ذلك بمقدار ووزن وعلى منهاج وسنن . كلام جرى في مجلس بكّت فيه أهل سجلماسة « 2 » : 202 - ( قال ) / : ولمّا تمادى أمر اللعين ابن واسول وارتكب ما ارتكبه وتعاطى ما تعاطاه من التغلّب بسجلماسة وخلع طاعة الأئمّة وتسمّى بالإمام أمير المؤمنين الشاكر للّه ، وهو الكافر باللّه ( عج ) لعظيم ما ارتكبه من نهيه ، رأى المعزّ لدين اللّه ( صلع ) جهاده لعظيم جرمه وأنّه لا يسعه تركه لما تعدّى إليه وتعاطاه . فأنهض إليه عسكرا فأمكنه اللّه ( عج ) من رحمته من غير يد لأحد من الخلق عليه فيه : وذلك
--> ( 1 ) محمد ، 16 . ( 2 ) نشر هذا النص الطويل في ملحقات كتاب « المعز لدين اللّه » ( الملحق الخامس ) .